محمد حسين هيكل

253

حياة محمد ( ص )

ضعيفهم ، ويبرّ غنيهم فقيرهم ؛ والنبي ينتقل بينهم أبا محبّا محبوبا يبتسم لهذا ، ويمزح مع ذاك ، ثم لا يقول إلّا حقّا . وقريش وسائر أهل مكة يطلون من منازلهم فوق السفوح على هذا المشهد الفذّ في التاريخ ، يرون رجالا هذه أخلاقهم ، لا يشربون خمرا ، ولا يأتون معصية ، ولا يغريهم الطعام ولا الشراب ، ولا تفتنهم في الحياة فتنة ، لا يعصون اللّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون . أيّ أثر يترك هذا المنظر الذي سما بالإنسان إلى ما فوق أسمى مراتب الإنسان ؟ ! من اليسير عليك أن تقدّره حين تعلم أن محمدا عاد بعد ذلك بشهور ففتح مكة على رأس عشرة آلاف من المسلمين . تزوج محمد بميمونة وخروج المسلمين إلى المدينة كانت أمّ الفضل ، زوج العبّاس بن عبد المطلب عم النبيّ ، موكّلة من أختها ميمونة في تزويجها ، وكانت ميمونة في السادسة والعشرين من عمرها ، وكانت خالة خالد بن الوليد . وأقامت أمّ الفضل زوجها العبّاس مقامها في تزويج أختها . ولما رأت ميمونة ما رأت من أمر المسلمين في عمرة القضاء هوت إلى الإسلام نفسها ، فخاطب العبّاس ابن أخيه في أمرها وعرض عليه أن يتزوّجها . وقبل محمد وأصدقها أربعمائة درهم . وكانت ثلاثة الأيام التي نص عهد الحديبية عليها قد انقضت ، لكن محمدا أراد أن يتخذ من زواجه ميمونة وسيلة لزيادة في التفاهم بينه وبين قريش . فلما جاءه سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزّى من قبل قريش يقولان لمحمد : « إنه انقضى أجلك فأخرج عنا » ، قال لهما : « ما عليكم لو تركتموني فأعرست بين أظهركم وصنعنا لكم طعاما فحضرتموه » قال محمد ذلك وهو يعلم ما تركت عمرة القضاء في نفوس أهل مكة من أثر ، كيف سحرتهم وسكّنت من خصومتهم ، ويعلم أنهم إن قبلوا دعوته إلى الطعام فتحدّث إليهم وتحدثوا إليه فتحت مكة أمامه أبوابها طائعة . وهذا ما خشي سهيل وحويطب ؛ لذلك كان جوابهما : « لا حاجة بنا إلى طعامك فأخرج عنّا » . ولم يتردّد محمد في النزول على رأيهما تنفيذا لعهده مع قومهما ، فأذّن في المسلمين بالرحيل ، وخرج والمسلمون من ورائه . وخلّف أبا رافع مولاه على ميمونة حتى أتاه بها بسرف « 1 » فبنى بها . وميمونة أمّ المؤمنين آخر أزواج النبيّ ، عمّرت بعده خمسين سنة ، ثم طلبت أن تدفن حيث بنى بها رسول اللّه . وحمل محمد أختي ميمونة : سلمى أرملة عمه حمزة ، وعمارة البكر التي لم تتزوج . وبلغ المسلمون المدينة وأقاموا بها ، ومحمد لا يشكّ في عظم ما تركت عمرة القضاء من أثر في نفوس قريش وفي نفوس أهل مكة جميعا ، ولا يشك فيما سينشأ عنها من آثار سريعة خطيرة . إسلام خالد بن الوليد وصدّقت الأيام تقديره ؛ فإنه ما كان يتحمّل راجعا إلى المدينة حتى وقف خالد بن الوليد ، فارس قريش المعلم وبطل أحد يقول في جمع منها : « لقد استبان لكل ذي عقل أن محمدا ليس بساحر ولا شاعر ، وأنّ كلامه من كلام رب العالمين . فحقّ على كل ذي لبّ أن يتبعه » . وقد فزع عكرمة بن أبي جهل لما سمع ، فرد قائلا : لقد صبؤت يا خالد . ودار بينهما الحديث الآتي : خالد - لم أصبؤ ولكني أسلمت . عكرمة - واللّه إن كان أحق قريش ألا يتكلم بهذا الكلام لأنت . خالد - ولم ؟

--> ( 1 ) سرف : موضع قريب من مكة ، اختلف في تقدير ما بينهما بين ستة أميال واثني عشر ميلا .